تثير جرائم الاحتلال الإسرائيلي بحق الصحافيين الفلسطينيين في قطاع غزة، بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، مجموعة كبيرة من المخاوف، ولعل أبرزها ارتفاع معدلات استهداف الصحافيين بالقتل، وما يترتب عليه من تراجع أعداد الصحافيين القادرين على تغطية أخبار غزة وتقديمها إلى العالم، وهو ما يسعى الاحتلال لتحقيقه لمنع السردية الفلسطينية من الوصول إلى العالم.
كما تفرض كثافة استهداف الصحافيين ومؤسساتهم، وكأنهم أهداف عسكرية، على مدى عامين متواصلين إطاراً تفسيرياً مختلفاً يرتبط بمفهوم الإبادة الصحافية التي تُعتبر جزءاً من جريمة الإبادة الثقافية، التي هي جزء من عملية الإبادة الجماعية. وسبب هذه المقاربة في فلسطين يتجاوز الصحافيين أنفسهم، على أهمية حيواتهم، فما يمارسه الاحتلال الإسرائيلي يهدف إلى منع المعرفة والوصول إلى المعلومات، ويهدد بفرض تعتيم إعلامي كامل على منطقة التغطية، وخصوصاً هنا في قطاع غزة المحاصر. وعليه، فالإبادة الصحافية بهذا المعنى لا تستهدف فقط الشريط الساحلي الضيق والمحاصر الذي يطلَق عليه قطاع غزة، ولا فلسطين المحتلة فحسب، بل أيضاً تستهدف حق الناس في الوصول إلى معلومات موثوقة وحرة ومستقلة وتعددية عن الأحداث الجارية في إحدى أهم المناطق التي ما زالت تتعرض لممارسات أعنف احتلال استعماري، الأمر الذي يجعلها تحظى بأكبر قدر من المتابعة والاهتمام العالمي.
وتكتسب الجرائم الموثقة التي تستهدف الصحافيين المحليين في القطاع، ولا سيما بعضها الذي وثقته الكاميرات ونقلته الشاشات مباشرة، أهمية مضاعفة، وتحديداً إذا ما علمنا أن سلطات الاحتلال التي تقتل الصحافيين مباشرة وتستهدفهم بشتى الطرق والوسائل تمنع في الوقت نفسه دخول أي وسيلة إعلام دولية، الأمر الذي يضاعف الدور الذي يقوم به الصحافيون المحليون، العاملون مع وسائل إعلام محلية وعربية ودولية، في نقل الأحداث والمساهمة في تقديم السردية الفلسطينية، ونقل صوت نحو مليوني مواطن فلسطيني تعرضوا للمجاعة والإبادة ومختلف صنوف القتل والتدمير.
ولم تمنع إسرائيل الصحافة العالمية من دخول قطاع غزة إلاّ بسبب خشيتها من انكشاف جرائم الإبادة الجماعية التي ارتكبتها، بينما تعمل ماكينتها الإعلامية على الترويج لدعاية إعلامية وسياسية تزعم عدم وقوع الإبادة الجماعية في غزة. وكي تنجح هذه الدعاية، فقد كان لا بد من منع الصحافيين من ممارسة دورهم بشتى الطرق والوسائل، فقتلتهم لتمنع الصوت والصورة من نقل ما يحدث في غزة من جريمة إبادة جماعية إلى العالم.
سياسات الاستهداف امتداد لتاريخ طويل
ما يتعرض له الصحافيون في قطاع غزة على مدى عامين ويزيد ليس جديداً، لكن من ناحية كثافة الاستهداف وشموليته، فهذا هو الجديد نسبياً؛ فالعودة إلى تاريخ الاحتلال الإسرائيلي تُظهر أن مسلسل استهداف الصحافيين الفلسطينيين بدأ منذ سنة 1948، حين اتبع الاحتلال سياسة ممنهجة لاستهداف الإعلام الفلسطيني، في مسعى لإسكات صوت الفلسطينيين وحجب حقيقة الجرائم المرتكَبة بحقهم. وقد فرض الاحتلال الإسرائيلي منذ نكبة 1948 قبضة أمنية صارمة على الصحافة الفلسطينية والعاملين فيها، مستنداً إلى سياسات قمعية محكمة، وتمسّك بالقوانين التي ورثها عن الانتداب البريطاني، ولا سيما "أمر الصحافة" سنة 1933، وأنظمة الدفاع لحالات الطوارئ سنة 1945، والتي شددت على منع نشر أي كلمة أو مقال أو صورة أو خبر من دون إذن مسبق من الرقابة العسكرية.
وإلى جانب القوانين التي شكلت أساساً لقمع الصحافيين الفلسطينيين، اعتمدت إسرائيل على أساليب القتل والاعتقال والإبعاد وفرض الإقامة الجبرية، وكذلك تفعيل الرقابة العسكرية المكثفة، وهو ما جعل حرية الصحافة هدفاً رئيسياً للاستهداف والقمع. وفي خارج فلسطين أيضاً، استهدف الاحتلال الفلسطينيين، ومنهم الصحافيون، ولا سيما في تموز/يوليو 1972، عندما اغتال الصحافي والكاتب غسان كنفاني في بيروت مع ابنة شقيقته لميس.
وفي 9/10/1981، اغتال الموساد الإسرائيلي في روما مسؤول الإعلام الموحد لمنظمة التحرير ماجد أبو شرار عبر تفجير قنبلة وُضعت تحت سريره في فندق فلورا في روما في أثناء مشاركته في فعاليات مؤتمر عالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني. أمَّا الصحافي حنا مقبل، الذي ساهم في تأسيس الإعلام الفلسطيني الموحد، وترأس تحرير مجلة "فلسطين الثورة" بعد اغتيال محررها الأول كمال ناصر في بيروت، فقد اغتاله الموساد في نيقوسيا في 3/5/1984، عبر إطلاق النار عليه من مسدس محكم به كاتم للصوت.
ولم تكن عمليات الاغتيال المذكورة هي الأولى ولا الأخيرة؛ إذ تُظهر عملية التتبع لأبرز الاغتيالات التي نفذتها إسرائيل بحق الصحافيين في فلسطين منذ سنة 1985 حتى اليوم تصاعُد عمليات الاستهداف بحق الصحافيين. وتشير الأرقام الرسمية إلى أنه منذ سنة 2000 حتى اندلاع حرب غزة الأخيرة، وثّقت منظمات، أبرزها لجنة حماية الصحافيين ومراسلون بلا حدود، استشهاد ما لا يقل عن 50 صحافياً فلسطينياً برصاص جيش الاحتلال، معظمهم في أثناء تغطية الانتفاضة الثانية (2000–2005) والحروب السابقة على غزة.
ففي عدوان صيف 2014 على غزة، قتلت إسرائيل 17 صحافياً بعد استهدافها إياهم ومنازلهم ومقار عملهم الإعلامية بصورة متعمدة، وهو ما استمر بوتيرة متفاوتة حتى تاريخ 11 مايو/أيار 2022، وهو اليوم الذي اغتال فيه قناص في جيش الاحتلال مراسلة قناة "الجزيرة" شيرين أبو عاقلة في أثناء تغطيتها اجتياح الاحتلال مخيم جنين شمالي الضفة الغربية.
وارتفعت الأرقام والبيانات الموثقة الدالة على تصاعد استهداف الصحافيين، في ظل نهج يتبعه جيش الاحتلال في محاربة كشف جرائمه عبر الصحافة وغيرها، وسط حالة مستدامة من إفلات دولة الاحتلال من العقاب.
أمَّا 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وما تلاه من حرب الإبادة على قطاع غزة، فهي الفترة التي شكلت ذروة استهداف الصحافيين الفلسطينيين؛ إذ يشير آخر التحديثات إلى استشهاد نحو 256 صحافياً فلسطينياً، بحسب أحدث تقرير صادر عن نقابة الصحافيين الفلسطينيين ومكتب الإعلام الحكومي في قطاع غزة.[7] ومنذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 حتى نهاية 2024، قتل الجيش الإسرائيلي 201 صحافي وصحافية، بينما قتل 55 آخرين منذ مطلع سنة 2025.
مؤشرات الاستهداف ومجالاته
تشير جرائم الاحتلال الإسرائيلي بحق الصحافيين الفلسطينيين في قطاع غزة إلى أن "قتل الصحافيين ليس استراتيجيا حرب، إنما جريمة حرب"، فقطاع غزة على مدى عامين من عمر حرب الإبادة أصبح "مقبرة للصحافة"، حيث تقابل سياسة قتل الصحافيين في غزة حالة عامة من قتل الحقيقة وحجبها عن العالم.
فعمليات استهداف الصحافيين الممنهجة بالقتل بهدف تغييبهم عن المشهد لا تقتل الأفراد وحسب، بل أيضاً تقتل الحقيقة نفسها، وتمنع العالم من معرفة ما يجري في إحدى أصغر البقع الجغرافية التي تشهد عدواناً وإبادة جماعية، وهو منطلق يشير إلى أن واجب حماية الصحافيين ليست فقط مسألة مهنية، بل أيضاً قضية حقوق إنسان أساسية ترتبط بالمعرفة والحق في الحصول على المعلومات الأساسية.
ويتعزز إدراك ثقل الجريمة المتواصلة التي تقوم بها سلطات الاحتلال، إذا ما علمنا أن عدد الصحافيين الذين قُتلوا خلال الحرب العالمية الثانية لم يتجاوز الـ 70 صحافياً على مدى فترة الحرب.[10] وهذه الأعداد الهائلة من الشهداء الصحافيين في غزة تؤكد ما ذهبنا إليه أعلاه من أن الاحتلال استهدف هذا الكم الهائل من الصحافيين في بقعة جغرافية صغيرة جداً، وعلى مدى أكثر من عامين متواصلين، فقط لحجب المعلومة، وحجب معرفة العالم بما يجري هناك، وذلك لأن الصحافيين فعلياً كانوا عين غزة التي ترى وتري العالم هول ما يحدث.
وهو ما يجعل من جرائم الاحتلال المستمرة بحق الصحافيين في قطاع غزة محاولة متواصلة لاغتيال الرواية الفلسطينية، ولقتل الحقيقة، وإخفاء الجرائم التي يرتكبها جيش الاحتلال بحق المدنيين الفلسطينيين.
وتشير التقارير الأممية الصادرة عن مجموعة المقررين الدوليين التابعين للأمم المتحدة إلى الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبها جيش الاحتلال بحق الصحافيين الفلسطينيين، وتفصل في نتائجها وتفريعاتها من دون أن تُكتب لها أي ترجمة واقعية لوقف حرب الإبادة أو منع الاحتلال من استهداف الصحافيين.
والنتيجة، كما تظهِرها أرقام استهداف الصحافيين المتواصلة، كانت نقيض المطالبات التي قدمتها التقارير الدولية الموثقة؛ إذ حمل شهر آب/أغسطس من العام الجاري، على سبيل المثال، استشهاد أعداد أكبر من الصحافيين عبر استهدافات جماعية: ففي 25 آب/أغسطس 2025، سقط أربعة شهداء معاً، وهم: مصور قناة "الجزيرة" محمد سلامة، ومصور وكالة "رويترز" للأنباء حسام المصري، والصحافية لدى عدد من وسائل الإعلام الدولية، بينها "إندبندنت عربية" و"وكالة أسوشيتد بريس"، مريم أبو دقة، والصحافي في شبكة "أن بي سي" (NBC) الأميركية، معاذ أبو طه، وذلك جرّاء استهدافين مباشرَين لمجمع ناصر الطبي في خان يونس جنوبي القطاع، في جريمة واضحة ومتكاملة الأركان. وقد سبق الشهداء الأربعة استشهاد 6 صحافيين خلال استهداف إسرائيلي مباشر لخيمة قناة "الجزيرة" قرب مجمع الشفاء الطبي، في 11 آب/أغسطس الحالي، وهم: مراسلا "الجزيرة" أنس الشريف ومحمد قريقع، ومصوراها إبراهيم ظاهر ومحمد نوفل، بالإضافة إلى الصحافيَين مؤمن عليوة ومحمد الخالدي.
لكن أمام كل هذه الأرقام الخطِرة، فإنه بدلاً من أن تتراجع عمليات قتل الصحافيين، فقد تعزز استهدافهم، واتخذ طابعاً جماعياً، على الرغم من أنهم يعملون ضمن جماعات، وفي أماكن محددة، ويرتدون زيهم الصحافي، ويقفون وراء كاميراتهم، ويتحركون في سيارات عليها علامة "PRESS".
ويمكن تقسيم ما تعرض له الصحافيون في قطاع غزة إلى المحاور التالية:
الاستهداف في أثناء ممارسة العمل الصحافي
تُظهر تقارير حقوقية أن قوات الاحتلال قتلت نحو 42 صحافياً بصورة مباشرة ومتعمدة خلال تواجدهم في الميدان في أثناء تأديتهم أعمالهم في نقل الأحداث الجارية في قطاع غزة. وبين القتلى والمصابين صحافيون يعملون بصورة حرة، وآخرون يتبعون لوكالات إعلام ومؤسسات محلية ودولية، وجزء منهم استُهداف وهو داخل خيمته الصحافية التي أقامها داخل المستشفيات؛ إذ اتخذ الصحافيون كل إجراءات السلامة الأمنية التابعة، بما في ذلك ارتداؤهم السترات الصحافية والخوذ التي تدل عليهم بصورة واضحة، وتعرّفهم كصحافيين، مع التبليغ بأماكن تواجدهم. ووُثقت مقاطع فيديو لإصابة صحافيين على الهواء مباشرة، حين كانوا يوجهون كاميراتهم نحو الأماكن التي تتعرض للقصف، أو يقومون بعمليات البث المباشر لقنوات تلفزيونية محلية ودولية، ناقلين صورة ما يجري إلى العالم.
ومما جاء في إفادة الصحافي المصاب وائل الدحدوح -الصحافي في قناة "الجزيرة"- بشأن حادثة اغتيال سامر أبو دقة، الذي قُتل بصاروخ أطلقته طائرة مسيّرة يوم السبت الموافق 15 كانون الأول/ديسمبر 2023، ما يلي: "رافقت أنا وزميلي المصور سامر أبو دقة، الدفاع المدني بعد حصوله على تنسيق للوصول إلى عائلة محاصرة في منزلها قرب مدرسة فرحانة في خانيونس، بعد استهداف إسرائيلي، وقمنا بتصوير المناطق وصورنا حالة الدمار الكبيرة، ووصلنا إلى نقطة لم تصلها أي كاميرا، وحاولنا من خلال التنسيق الموجود أن ننقل هذه المشاهد للعالم، وانتهينا من التصوير، وبينما نحن في طريق العودة من المهمة، وأثناء مشينا سيراً على الأقدام عشرات الأمتار فجأة حصل شيء ما، شعرت أن شيئاً كبيراً حدث وسقطت على الأرض وسقطت الخوذة والمايك، حاولت أن أستجمع قواي وبالكاد تمكنت من الوقوف، وكنت أشعر بالدوار وعدم الاتزان. توقعت حدوث ضربة ثانية، وقدَرت أن بقائي بالمكان لن يُمكّن أحداً من الوصول إليّ. لذلك قررت وبالرغم من حالة عدم الاتزان التي أشعر بها ومع وجود نزيف حاد في ذراعي أن أغادر المكان. ضغطت بيدي على أحد الجروح وبدأت أسير حتى اقتربت من نهاية الشارع ومن ثم وصلت طاقم إسعاف تعامل معي ميدانيا، وأبلغتهم أن علينا أن نرجع لزميلنا سامر أبو دقة الذي سمعته يصرخ وكان واضح أنه أصيب، وكنت أقدر أن إصابته في الجزء الأسفل من جسمه. أوقفت الطواقم الميدانية النزيف وأبلغوني ضرورة المغادرة الآن وأنه سيعود طاقم آخر لإخراج سامر والبقية. كما لا بد من الإشارة أنه في الجريمة نفسها، قتل الجيش الإسرائيلي المصور الصحافي رامي بدير، الذي يعمل في إعلام جهاز الدفاع المدني، واثنين من زملائه في الجهاز في أثناء محاولتهم الوصول إلى أبو دقة لإنقاذه.
استهداف الصحافيين برفقة عائلاتهم عمداً
شكّل الاستهداف المتعمد للصحافيين في منازلهم نمطاً من أنماط قتل الصحافيين خلال الحرب على غزة، وقتل العديد من الصحافيين وعائلاتهم في استهداف مباشر لمنازلهم أو للأماكن التي اضطروا إلى النزوح إليها. وتظهِر البيانات أنه إلى غاية نيسان/أبريل 2025، قصفت قوات الاحتلال 152 منزلاً يعود إلى صحافيين، وراح ضحية ذلك 665 من عائلاتهم وأقاربهم. وتدل شهادات الصحافيين على أن الاستهداف برفقة العائلة هو نمط ممنهج، وليس استهدافاً عشوائياً، إذ تعرض الصحافيون للاستهداف في أماكن سكنهم أو نزوحهم في مواقيت وأوضاع لم يكونوا فيها يغطون الأحداث ميدانياً، وهو ما يعكس رغبة واضحة في إسكات الصحافيين وقتلهم مع عائلاتهم.
وفي 2 كانون الثاني/يناير 2025، أطلقت طائرة إسرائيلية مسيّرة صاروخاً في تجاه الصحافي حسن القيشاوي (29 عاماً)، الذي يعمل صحافياً مع وكالة "ميديا" للإعلام، وذلك في لحظة وصوله إلى منزله عند مفترق دوار فلسطين غربي مدينة غزة، وهو ما أدى إلى مقتله مع أحد المارة، وإصابة آخرين بجروح متفاوتة. وأفاد حلمي القيشاوي (38 عاماً)، شقيق الصحافي، بأنه قبل دقائق من الاغتيال، كان برفقة شقيقه في الشارع، فذهب حسن في اتجاه البيت، وذهب هو إلى مكان آخر، إذ صرح: "... بعد دقائق قليلة لا تتجاوز عشرة دقائق وأقل، سمعت صوت قصف في المكان لم أُلقِ بالاً، وقلت في نفسي قصف كالعادة ولم يخطر على بالي أن الاستهداف كان موجهاً صوب أخي حسن، واستكملت طريقي بشكل عادي. وبعد قليل من الوقت، اتصل بي أحد الأصدقاء وأخبرتني ما حل بأخي حسن، والتي كانت بمثابة الصدمة التي لم أستوعبها حتى الآن، ولم أصدق ما حصل... رجعت إلى البيت بسرعة حتى أرى مصداقية ما أُلقي إليَّ من أخبار تكاد تفقدني صوابي، فوجدتُ ما أخبروني به صحيحاً. لم أرَ حسن لأنه كان قد تم نقله على الفور إلى مستشفى المعمداني، ورأيت بركة من الدماء على مدخل المنزل في مكان الاستهداف وأثر قصف وشظايا في المكان.
استهداف عبر الهجمات العشوائية
قتلت قوات الاحتلال عدداً كبيراً من الصحافيين بفعل هجمات إسرائيلية عشوائية طالت مناطق متفرقة من قطاع غزة خلال فترة الحرب، وقد قُتل هؤلاء في أثناء تواجدهم في منازلهم، أو في الشوارع والأسواق، أو بالقرب من المؤسسات العامة والمرافق المدنية، أو بسبب وجودهم في مواقع الأحداث بهدف توثيقها. فعمليات التدمير الواسعة النطاق، إلى جانب التواجد المستمر في الميدان، ترتب عليها تعريضهم لمستوى عالٍ من الخطر أسوة بباقي المدنيين، على الرغم من أنهم كانوا يظهِرون بوضوح أنهم من العاملين في الطواقم الصحافية، ويرتدون السترات والخوذات التي تحمل إشارة الصحافة، ويعملون ضمن فرق إعلامية معروفة، ولم يكونوا يحملون أي أسلحة، أو يكونوا جزءاً من أهداف عسكرية.
وفي 1 تشرين الثاني/نوفمبر 2023، قُتل الصحافي بلال جاد الله، مدير مؤسسة بيت الصحافة–فلسطين، إذ قُصفت سيارته وهو يقودها على طريق صلاح الدين شرقي حي الزيتون في مدينة غزة، ولا يُعرف حتى الآن إن كان مقتله ناتجاً من استهداف مقصود له، أم بسبب إحدى الغارات الجوية الإسرائيلية التي خلّفت عدداً من القتلى. وكان جاد الله شخصية معروفة ومؤسسة رائدة في قطاع غزة، دأبت مؤسسته على تدريب الصحافيين وتأهيلهم، وتنفيذ حملات توعية بمبادئ حرية الرأي والتعبير، ودعم الإعلام المستقل، وتوفير الحماية القانونية للصحافيين في فلسطين.
استهداف الصحافيين بالقنص
تدل حوادث استهداف الصحافيين في قطاع غزة عبر رصاص القناصة على وجود نية في الاستهداف الواضح للقتل، لأن القناص يرى بدقة ضحيته، ويقتلها بتأنٍ وتخطيط مسبق.
وقد قتل قناص إسرائيلي يوم الأحد 11 شباط/فبراير 2024 الصحافي في وكالة "كنعان" الإخبارية ياسر القاضي، الذي كان يرصد حالة الحصار التي يعيشها المتواجدون في مجمع ناصر الطبي، من مرضى ومرافقين ونازحين. وتم استهداف القاضي بينما كان يتجول بكاميرته بين الأقسام، وعندما أصابته الرصاصات، سقط شهيداً على الفور. كما قتل قناص إسرائيلي الصحافي عاصم البرش، الذي يعمل مذيعاً وفني صوت في إذاعة "الرأي" الحكومية، في منطقة الصفطاوي شمالي غزة، في 20 تشرين الثاني/نوفمبر 2023. وقتل قناص إسرائيلي، كان يعتلي أحد المباني، الصحافي علي عاشور (37 عاماً) يوم الأربعاء 13 كانون الأول/ديسمبر 2023 خلال تغطيته الصحافية توغل الجيش الإسرائيلي في حي تل الهوا غربي مدينة غزة.
اعتقال وتعذيب وإخفاء قسري
لم تقتصر الاعتداءات على الصحافيين على جرائم القتل والإصابة، بل أيضاً شملت عمليات الاعتقال التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري للعديد من الصحافيين، ولا سيما خلال الاجتياحات البرية في شمال قطاع غزة وخان يونس. وبحسب توثيق مكتب الإعلام الحكومي في غزة، فقد اعتقلت قوات الاحتلال منذ بدء الحرب 48 صحافياً، بينما وثقت لجنة حماية الصحافيين اعتقال 86 صحافياً، وفقدان صحافيَين، وقد تم اعتقال عدد من الصحافيين في أثناء تغطيتهم المباشرة للقصف الإسرائيلي أو توثيق الدمار، بينما جرى اعتقال آخرين من داخل منازلهم، على الرغم من علم الجيش الإسرائيلي بأنهم صحافيين بعد التعريف بأنفسهم.
استهداف بأنظمة الذكاء الاصطناعي
إلى جانب طرق الاستهداف التقليدية، فإن سلطات الاحتلال لجأت إلى استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في استهداف الصحافيين، إذ وثَّقت تحقيقات صحافية إصابة أكثر من 20 صحافياً، أو مقتلهم، جرَّاء غارات نفذتها طائرات مسيّرة منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023؛ سبعة منهم كانوا يرتدون سترات صحافية تظهِر هويتهم بوضوح. وأشارت التقارير الموثقة إلى استخدام قوات الاحتلال ثلاثة برامج، هي: "Gospel"، و"Lavender"، و"Where's Daddy". ويقوم "Gospel" بعمليات القتل الدقيق، بحيث يتعقب الأشخاص في أثناء عودتهم إلى منازلهم وأماكن عملهم، ويتم استهدافهم مباشرة.
وقد حقق اتحاد "فوربيدن ستوريز" (قصص محظورة)، على مدى أربعة أشهر، بالتعاون مع 50 صحافياً، في إصابة ومقتل أكثر من مئة شخص من الطواقم الإعلامية في غزة على يد الجيش الإسرائيلي، إذ أشارت النتائج إلى أنه تم استهداف ما لا يقل عن 18 شخصاً من هذه الطواقم بضربات موجهة، من الممكن أن تكون قد نُفذت باستخدام طائرات مسيّرة، في مخالفة لقوانين الحرب. وذلك بعكس مزاعم الجيش الإسرائيلي بعدم "تعمُد استهداف الصحافيين." وكان أربعة صحافيين على الأقل (بين الـ 20 قتيلاً) يرتدون سترات صحافية.
تدمير البنية التحتية والمعدَّات والأجهزة منذ بدء الهجوم العسكري على غزة، كان من الواضح التدمير المنهجي للجسم الصحافي الفلسطيني وبنيته الأساسية، بما في ذلك تدمير مؤسساتهم ومعدَّاتهم الصحافية ووسائل النقل والبث، وخصوصاً في الأشهر الثلاثة الأولى من الحرب، وهو ما جاء ضمن سياسة مدروسة لمنع التغطية الإعلامية المستقلة. كما تعمدت قوات الاحتلال قصف الأبراج السكنية التي تضم مكاتب ومؤسسات صحافية وإذاعات في مدينة غزة بهدف تدميرها، وكان من أبرزها برج فلسطين، وسط المدينة.
ووفق توثيق صادر عن نقابة الصحافيين الفلسطينيين، فقد تم تدمير 112 مؤسسة إعلامية حكومية وخاصة، بينها مقرات 15 وكالة أنباء، و21 إذاعة، و15 فضائية، و3 أجهزة بث، و6 صحف، و13 مؤسسة تقدم خدمات إعلامية وصحافية، و41 مؤسسة تم تدميرها كلياً، و32 مؤسسة تدميراً جزئياً.
وأمام تنامي قتل الصحافيين واستهداف مؤسساتهم في القطاع، ظهر مصطلح "الإبادة الصحافية"، وهو يتعلق بتعمُّد قتل الصحافيين، وملاحقتهم بالغارات لإبادتهم مع عائلاتهم، ورصد تحركاتهم، وتدمير وسائل الإعلام التي يعملون فيها، عبر قصف المقرات، وتدمير المحتويات، والتشويش على الموجات، وتهبيط المواقع الإلكترونية، ومنع وصول الإسعاف إلى الصحافيين الجرحى، وتركهم ينزفون حتى الموت، وتشغيل الذكاء الاصطناعي، في رصدهم إلكترونياً، وقتلهم بتقنياته، وبكل الوسائل الحربية الأُخرى، وكذلك إلغاء وسائطهم، وتخويف مَن بقي منهم حياً، سعياً للصمت الكامل، كي تمر جريمة الإبادة من دون تغطية صحافية، وهو ما اعتُبر نوعاً من القتل للاتصال البشري (Communication Killing Human).
وبهدف رصد وقائع حرب الإبادة على استهداف الصحافيين في قطاع غزة، طور الباحث باسم الطويسي مفهوم "الإبادة الثقافية العميقة" (Deep Cultural Genocide) بصفتها أفعالاً وممارسات ينتج منها "حرمان طرف من أطراف الصراع من رواية الأحداث وتقديم سرديته حول ما يجري إلى العالم؛ والكيفية التي تعمل وفقاً لها هذه السردية كي تمهد السبيل للإبادة ومحاولة تبريرها والصمت على استمرارها شهوراً طويلة، إضافة إلى الإبادة الثقافية المادية التي تشمل تدمير التراث والرموز الثقافية أو الاستيلاء المنهجي عليهما ومحو الهوية ونزع التاريخ.
وتظهر الوقائع في قطاع غزة أن دولة الاحتلال انتقلت في الحرب على غزة من ممارسة الإبادة الثقافية البطيئة على مدى أكثر من مئة عام، إلى الإبادة الثقافية العميقة التي جسدتها في هذه الحرب، والتي لم تتوقف عند التدمير الممنهج والمباشر للتراث الثقافي الفلسطيني، بل أيضاً وصلت إلى محاولة إطفاء السردية الفلسطينية والحد من تأثيرها، ومنْعها من الوصول إلى العالم، وهو ما تجسد في استهداف الصحافيين ومؤسساتهم في قطاع غزة منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 حتى اليوم.
وقد حدث كل ذلك على الرغم من أن الصحافيين المدنيين يتمتعون بالحماية التي يتمتع بها باقي المدنيين، فعملية استهدافهم عمداً في أثناء القيام بعملهم الصحافي تُعتبر انتهاكاً للقانون الدولي وجريمة حرب. وينطبق الأمر نفسه كذلك على استهداف معدَّات ووسائل إعلام، كالمكاتب الإعلامية وأجهزة البث، فهي محمية من الهجمات، إلاَّ إذا استُخدمت لأغراض عسكرية، بينما يُعتبر تدمير هذه المرافق بلا مبرر عسكري انتهاكاً واضحاً.
وتتنوع مستويات الحماية القانونية للصحافيين في مناطق النزاع؛ فالمستوى الأول يرتبط بالقانون الدولي الإنساني، وفقاً لاتفاقية جنيف 1949 والبروتوكول الإضافي الأول 1977. أمَّا المستوى الثاني، فيرتبط بالقضاء الدولي والاعتراف بأهمية الصحافة، وأن الصحافيين يخدمون المصلحة العامة، ويؤدون دوراً حيوياً في كشف الفظائع. ويرتبط المستوى الثالث بقرارات مجلس الأمن الدولي التي دانت استهداف الصحافيين، وهو ما يمنح فرصة لمساءلة سلطات الاحتلال ضمن مستويَين: الأول يتمثل في المسؤولية الجنائية الفردية أمام المحكمة الجنائية الدولية، والثاني أمام محكمة العدل الدولية في ظل أن دولة الاحتلال دولة عضو في هيئة الأمم المتحدة.
خاتمة سياساتية
يظهِر الواقع الخاص بالصحافيين في قطاع غزة أن الإطار القانوني الدولي، الذي يُفترض أن يمنح الصحافيين الفلسطينيين الحماية، هو حماية نظرية في ظل غياب آليات تنفيذ فاعلة تردع المعتدي وتحاسب القاتل، وهو ما جعل الصحافيين الفلسطينيين ونقابتهم وكذلك المؤسسات الحقوقية الفلسطينية والعالمية يطالبون الأمين العام للأمم المتحدة، والمقرر الخاص لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والاتحاد الدولي للصحافيين، ومنظمة الصليب الأحمر الدولي، ومنظمة العفو الدولية، ومنظمة اليونسكو، والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية، بالقيام بواجباتهم وإجبار حكومة الاحتلال على وقف استهداف الصحافيين الفلسطينيين.
ونظراً إلى كثافة استهداف الصحافيين في قطاع غزة، فإن المطلوب من جميع الأطراف العمل الجاد على المستويات كافة؛ فيقع على السلطات الدولية والمحاكم الجنائية واجب اتخاذ إجراءات فورية لمحاسبة مرتكبي الانتهاكات بحق الصحافيين، وكذلك طلب إطلاق سراح المعتقَلين الصحافيين، والكشف عن مصير المفقودين، وحماية الصحافيين المدنيين وفق القانون الدولي الإنساني.
وعلى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية العمل من أجل تسريع اتخاذ إجراءات عملية لإنجاز التحقيق في الجرائم المرتكَبة على إقليم دولة فلسطين، بما فيها جرائم قتل الصحافيين، الذين يدفعون حياتهم ثمناً لإظهار الحقيقة. وعلى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية ولجنة التحقيق الدولية زيارة الأرض الفلسطينية المحتلة، واتخاذ موقف علني واضح وصارم من جرائم الاحتلال الإسرائيلي بحق المدنيين الفلسطينيين، بمن فيهم الصحافيون، كونها جرائم مستمرة ومتكررة.
كما يجب دعوة المقرر الخاص بحرية الرأي والتعبير في الأمم المتحدة إلى اتخاذ خطوات فاعلة للتحقيق في انتهاكات الاحتلال المقرة بحق الصحافيين ووسائل الإعلام في الأرض الفلسطينية المحتلة، وتعزيز الحماية لحرية التعبير في مناطق النزاع.
وكذلك دعوة المجتمع الدولي إلى ممارسة الضغط الجاد على سلطات الاحتلال الإسرائيلي للسماح فوراً بدخول الصحافيين الأجانب ومراسلي وسائل الإعلام الدولية إلى قطاع غزة، بهدف ضمان التغطية الإعلامية المستقلة. كما يجدد الواقع في القطاع دعوة المنظمات الدولية المعنية بحرية الإعلام وحقوق الإنسان إلى رصد دائم وتوثيق مستقل لانتهاكات الصحافة، وبناء قاعدة بيانات محكمة لتدعيم المساءلة، فكي لا يتكرر إفلات دولة الاحتلال من العقاب، هناك ضرورة لإجراء توثيق لجميع الجرائم والانتهاكات بصورة مهنية مع أدلة (صور، وفيديوهات، وشهادات)، وتقديم شكاوى رسمية إلى المؤسسات الدولية (الأمم المتحدة، ومحكمة الجنايات الدولية، ومجلس حقوق الإنسان)، وتعيين محامين متطوعين لمتابعة قضايا الاعتقال أو الملاحقة التي يتعرض لها الصحافيون، وإعداد تقارير دورية خاصة عن الانتهاكات بحق الصحافيين، وكذلك تعزيز حملات الدبلوماسية لرفع تكلفة الاستهداف، فضلاً عن تنظيم حملات ضغط ومناصرة لدعم الصحافيين الفلسطينيين وإثارة قضية استهدافهم أمام الرأي العام الدولي.
وعلى المستوى المحلي والمهني، هناك ضرورة لتوفير معدَّات السلامة المهنية (خوذ، ودروع واقية، وسترات صحافية واضحة)، وتعزيز إنشاء فرص تدريب على السلامة الميدانية والإسعافات الأولية وكيفية التصرف في حالات الطوارئ والاستهداف، وتفعيل شبكة إنذار مبكر للتبليغ عن المخاطر والتحركات العسكرية في المناطق الساخنة، وإيصالها إلى الصحافيين بسرعة، إلى جانب ضرورة وجود آليات للحماية الميدانية والرقمية من تشفير للاتصالات، ووجود نسخ احتياطية مشفرة للمواد الصحافية وتلك التي توثق الجرائم، في ظل تعدد مستويات الاستهداف وتنوعها، إلى جانب تكثيف برامج الدعم النفسي والصحي وجعلها مستمرة.
هذا بالإضافة إلى وجوب العمل على تطوير منصات آمنة لتخزين الأدلة الرقمية والمرئية وفق معايير حماية الأدلة القانونية، وإطلاق برامج تمويل لتأمين معدَّات الحماية المادية والرقمية وتدريب الصحافيين على استخدامها، وتأسيس وحدة مشتركة بين نقابات صحافية ومنظمات حقوقية وخبراء تقنيين لتوثيق الانتهاكات وتحضير ملفات قانونية، وإعداد قائمة جهات يمكن تحريكها فوراً لممارسة الضغط الدبلوماسي عند وقوع انتهاكات جديدة.
وهناك أهمية بالغة لتأسيس صندوق طوارئ إقليمي لدعم الصحافيين المحليين وتغطية نفقات الحماية، وإطلاق منصة تنسيق إقليمية لمتابعة قضايا حماية الصحافيين، وكذلك توفير دعم مالي ولوجستي للمؤسسات الإعلامية المحلية، وإنشاء برامج تأمين صحي ونفسي للصحافيين.
أمَّا على المستوى الدولي والإعلامي، فهناك ضرورة لإطلاق حملات إعلامية دولية تركز على استهداف الصحافيين ونتائج هذا الاستهداف، وبناء شراكات محلية أهلية ورسمية مع اتحادات الصحافيين الدولية للضغط على الاحتلال ومساءلته، وتعزيز التواصل مع البرلمانات والبعثات الدبلوماسية لإبراز الانتهاكات، وتخصيص جائزة دولية سنوية باسم شهداء الصحافة الفلسطينيات لتعزيز الوعي والتضامن العالمي.
كما يجب مواجهة الدعاية المضادة في ظل حملات تشويه الصحافيين التي تسعى لتبرير استهدافهم وقتلهم، وضرورة بناء سردية مضادة مدعومة بالأدلة الميدانية.
وأخيراً، فإن حماية الصحافيين في غزة ومعاقبة القتلة ليس مطلباً صحافياً أو حقوقياً فقط، بل أيضاً هو شرط أساسي لضمان وصول المعلومات، وتحقيق مبدأ الشفافية والمساءلة ومنع تكرار الانتهاكات والجرائم في أي مكان في العالم. فصمت المجتمع الدولي وعدم محاسبة إسرائيل على الانتهاكات يشجعها على الاستمرار في سياسة القتل. وإن التاريخ الطويل من الإفلات من العقاب في جرائم قتل الصحافيين حول العالم يجعل حياة المراسلين والصحافيين أكثر عرضة للخطر، وهو ما يتطلب سياسات عملية وتنسيقاً متعدد الأطراف يعمل بجد على رفع تكلفة استهداف الصحافيين وحماية الدور المحوري للإعلام في الحروب، وجرائم الإبادة الجماعية.
قد يبدو العمل على حماية الصحافيين الفلسطينيين ومعاقبة مرتكبي الجرائم بحقهم حلماً بعيد المنال، لكن تكلفة استمرار عمليات استهداف الصحافيين التي يترتب عليها فقدان صحافيين شجعان، وتراجع قدرة الصحافيين على التغطية الميدانية، وضعف التوثيق الحقوقي، الأمر الذي يصعّب إثبات الانتهاكات أمام المحاكم الدولية، وينشئ مناخ رعب يحد من حرية التعبير، كلها أمور أكثر تكلفة من العمل على ضمان حمايتهم ومحاسبة المجرمين القتلة.
وإن عدم نجاح أي تحرك في عقاب المجرمين الذين يتضاعف إجرامهم سيكون مؤشراً إلى أننا في انتظار سقوط مزيد من الصحافيين في حرب الإبادة في غزة، والتي هي في جوهرها إبادة صحافية، وليس هناك من أمر مؤلم ومخيف، ولا يبعث على الأمل، أكثر من ذلك.
المصدر: مؤسسة الدراسات الفلسطينية