يقام في الفترة ما بين ١٦ أيار و١٢ أيلول، معرض صور فوتوغرافية بعنوان "PHOTO KEGHAM DE GAZA: UNE ARCHIVE INACHEVABLE" في مدينة مارسيليا جنوبي فرنسا. يعيد معرض «فوتو كيغام غزة: أرشيف غير مكتمل» في المركز الفوتوغرافي في المدينة تقديم نحو 300 صورة التقطها المصوّر الأرمني ـ الفلسطيني كيغام جغليان، الذي نجا من الإبادة الأرمنية قبل أن يستقر في غزة ويؤسس أول استوديو تصوير فيها عام 1944. توثّق الصور الحياة الاجتماعية اليومية في القطاع بين أربعينيات القرن الماضي وثمانينياته، وتستعيد ذاكرة مدينة تتجاوز الحروب إلى تفاصيل الناس وعلاقاتهم وأفراحهم.
تحمل الصور الفوتوغرافية سجلّاً للحياة اليومية وللأشياء التي تبدو عابرة في لحظتها، قبل أن تتحول مع الزمن إلى شواهد على عالم مفقود، فهي أكثر من مجرد وثائق تحفظ ملامح الماضي. من هذا المنطلق، تكتسب الصور المستخرجة من أرشيف المصوّر الأرمني الفلسطيني الراحل كيغام جغليان (1915-1981) أهمية تتجاوز قيمته الفنية أو التوثيقية، لتصبح محاولة لاستعادة ذاكرة اجتماعية وثقافية لقطاع غزة، في زمن تتعرض فيه الذاكرة نفسها لخطر المحو.
المعرض من تقييم الفنان البصري والمدير الإبداعي كيغام جغليان الحفيد، وهو محاولة لإعادة بناء أرشيف مفقود أو مهدد بالضياع. يقدم المعرض نحو 300 صورة التقطها جغليان بين أربعينيات القرن العشرين وثمانينياته. وتتنوع الصور بين بورتريهات عائلية ومشاهد من الحياة اليومية، وصور للمدارس، والأنشطة الرياضية، والشواطئ، والمتاجر والأحياء السكنية. ومن بين اللقطات المعروضة صور لشباب يمارسون الكرة الطائرة على الشاطئ، وعائلات في نزهات، وأطفال في المدارس، ونساء ورجال في مناسبات اجتماعية مختلفة، إضافةً إلى زيارات شخصيات سياسية مثل تشي جيفارا، ورئيس الوزراء الهندي جواهر لال نهرو، والرئيس المصري أنور السادات، وزيارة جان بول سارتر وسيمون دو بوفوار إلى غزة عام 1967.
لا تُعرض الصور وفق تسلسل تاريخي أو سياسي صارم، بهدف دفع الزائر إلى رؤية الأشخاص الموجودين في الصور كأفراد لهم حيواتهم الخاصة، لا بوصفهم مجرد شخصيات داخل سردية الحرب والصراع. كما يتضمن المعرض عناصر أرشيفية أخرى، مثل صور أصلية ومواد توثيقية مرتبطة باستوديو جغليان، إضافة إلى شروحات تتناول رحلة إنقاذ الأرشيف وإعادة اكتشاف جزء منه في القاهرة بعد عقود من فقدانه. ويشير المعرض إلى أنّ قسماً مهماً من الأرشيف ما يزال مفقوداً أو دُمّر خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة، ما يجعل المعروضات الحالية جزءاً فقط من مجموعة أكبر كانت موجودة في السابق.
وصل جغليان إلى غزة بعد نجاته من الإبادة الأرمنية، وأسس فيها أول استوديو تصوير احترافي عام 1944. وعلى مدى عقود، وثّق بكاميرته تفاصيل الحياة اليومية لسكان القطاع، من حفلات الزفاف، إلى الرحلات العائلية، والمباريات الرياضية، والشوارع والأسواق والاحتفالات. تبدو هذه الصور اليوم مألوفةً وعاديةً للوهلة الأولى، لكنها تكتسب معنى مختلفاً في سياق الدمار الذي أصاب غزة خلال العقود الأخيرة، وخصوصاً منذ الحرب الإسرائيلية المستمرة منذ السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023. تكشف الصور عن مدينة لا تختزلها الحروب والنشرات الإخبارية. نرى أفراداً وعائلات يمارسون حياتهم الطبيعية، يضحكون ويلهون ويحتفلون، ويصنعون ذاكرتهم الخاصة بعيداً من صور الدمار التي باتت تهيمن على تمثيل غزة في الإعلام العالمي. وهنا تكمن أهمية الأرشيف، فهو يوثق الأحداث الكبرى، ويحفظ أيضاً ما يبدو عادياً وهامشياً، أي جوهر الحياة نفسها.
نجا الجزء الأكبر من هذا الأرشيف بفضل مصادفة بحتة. في عام 2018، عثر ابنه (المقيم في فرنسا) على ثلاثة صناديق حمراء صغيرة في مصر تحوي مئات النسخ السالبة (النيغاتيف) المنسية. كما أسهم فلسطينيون في الشتات في إرسال نسخ من صور عائلاتهم التي التقطها كيغام، ليُعاد تجميع هذا الإرث الفني بعيداً من القطاع.
لكن قصة هذا الأرشيف هي أيضاً قصة هشاشة الذاكرة. فقد ضاع جزء كبير من المواد الأصلية، فيما أُعيد اكتشاف قسم منها بالمصادفة بعد سنوات طويلة. ومع استمرار الحرب وتدمير المؤسسات الثقافية والأرشيفية، يصبح الحفاظ على هذه الصور عملاً ملحاً، لحماية الماضي والحفاظ عليه، ولضمان حق الأجيال المقبلة في معرفة تاريخها. في هذا المعنى، يتحول الأرشيف الفوتوغرافي إلى شكل من أشكال المقاومة الثقافية. حين تُدمَّر البيوت والشوارع والمعالم، تبقى الصور شاهداً على أن حياة كاملة كانت هنا يوماً.
المصدر: صفحة رمان الثقافية