لم تكن عملية إنقاذ أرشيف وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) من غزة والقدس الشرقية مجرد إجراء لحماية سجلات إدارية من الدمار، بل كانت محاولة للحفاظ على مجموعة وثائقية تسجّل جوانب أساسية من تاريخ اللجوء الفلسطيني منذ نكبة عام 1948، وتوثّق حياة أجيال من اللاجئين وعائلاتهم.
في عملية سرية استمرت نحو عشرة أشهر، نُقلت ملايين الوثائق من أرشيفَي الوكالة في غزة والقدس الشرقية إلى العاصمة الأردنية عمّان، حيث بدأت عملية واسعة لرقمنتها. وبحسب تحقيق نشرته صحيفة «الغارديان» البريطانية في 14 أيار/مايو 2026، جرى رقمنة قرابة ثلاثين مليون وثيقة، فيما تعمل الوكالة على إتاحة سجلات عائلية للاجئين الفلسطينيين، وإعداد خرائط توضح أنماط التهجير عام 1948.
تضم المجموعة بطاقات التسجيل الأصلية للاجئين الفلسطينيين الذين وصلوا إلى قطاع غزة بعد تهجيرهم عام 1948، إلى جانب شهادات الميلاد والزواج والوفاة ووثائق أخرى تراكمت عبر عقود من عمل الوكالة. وتتيح هذه السجلات قراءة تاريخ اللجوء من خلال تفاصيل الحياة اليومية والعائلية، لا من خلال الأحداث السياسية والعسكرية وحدها.
من بطاقة التسجيل إلى تاريخ العائلة
تكتسب بطاقات تسجيل اللاجئين أهميتها من المعلومات التي تربط الأفراد بأسرهم، وتوثّق أوضاعهم ضمن سجلات الوكالة. فهي ليست مجرد أرقام إدارية، بل جزء من منظومة سجلات تساعد على تتبّع تاريخ العائلات الفلسطينية، وتغيّر أوضاعها وأماكن إقامتها عبر الأجيال.
وتتيح هذه الوثائق، عند قراءتها ومقارنتها بسجلات أخرى، إعادة بناء جانب من تاريخ العائلة: أسماء أفرادها، وصلات القرابة بينهم، وتواريخ الميلاد والوفاة والزواج، والتغيرات التي طرأت على تركيبها ومكان إقامتها. وتزداد أهمية ذلك في حالة العائلات التي تشتّت أفرادها بفعل التهجير واللجوء، أو فقدت جزءًا من وثائقها الشخصية خلال انتقالها بين المناطق والبلدان.
وتتجاوز قيمة هذه السجلات الأفراد، إذ يمكن أن تسهم دراستها مجتمعة في فهم التحولات التي شهدتها المجتمعات الفلسطينية اللاجئة، وتكوين صورة أوسع عن حياة العائلات وتوزّعها الجغرافي وتاريخها الاجتماعي.
ما الذي تستطيع الوثائق إثباته؟
لا تتساوى الوثائق في طبيعتها أو في نوع المعلومات التي يمكن استخلاصها منها. فبطاقة تسجيل اللاجئ توثّق معلومات مرتبطة بتسجيله لدى الوكالة، لكنها لا تُعدّ، بمفردها، سند ملكية لعقار أو إثباتًا مستقلًا لجميع تفاصيل التهجير. وشهادة الميلاد تثبت بيانات محددة عن الولادة، بينما تساعد سجلات الزواج والوفاة في تتبّع العلاقات العائلية والتغيرات التي طرأت عليها.
أما إثبات ملكية أرض أو منزل، فيتطلب النظر في الوثائق ذات الصلة بالملكية، مثل سندات التسجيل والطابو والقيود العقارية، ومقارنتها بما يتوافر من خرائط وسجلات أخرى. وكذلك فإن توثيق التهجير من قرية أو بلدة معينة يستفيد من تقاطع مصادر متعددة، تشمل السجلات الإدارية والشهادات الشخصية والخرائط والوثائق التاريخية.
ومن هنا، لا تكمن أهمية أرشيف الأونروا في أن كل وثيقة فيه تثبت جميع جوانب تجربة اللجوء، بل في أنه يوفّر مجموعة واسعة من السجلات التي يمكن للباحثين قراءتها ومقارنتها وربطها بمصادر أخرى. ويتيح هذا التقاطع بناء معرفة أكثر تفصيلًا بتاريخ العائلات واللجوء الفلسطيني، مع مراعاة طبيعة كل وثيقة وحدود ما تثبته.
الأرشيف بوصفه سجلًا لتاريخ اللجوء
تُظهر هذه المجموعة الوثائقية جانبًا من تاريخ النكبة لا يقتصر على لحظة التهجير نفسها، بل يمتد إلى العقود التي تلتها. فالسجلات التي أنشأتها الأونروا خلال عملها مع اللاجئين توثّق استمرار اللجوء عبر الأجيال، وتقدّم مادة لدراسة التحولات التي شهدتها حياة الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية والأردن ولبنان وسوريا.
وتتيح هذه السجلات للباحثين دراسة العلاقة بين التهجير الأول وما تبعه من تحولات اجتماعية وعائلية، فضلًا عن تتبّع بعض المسارات التي سلكتها العائلات بعد مغادرتها أماكن إقامتها الأصلية. كما يمكن أن تساعد مقارنة السجلات العائلية بالخرائط والمصادر التاريخية الأخرى في فهم أنماط التهجير وتوزّع اللاجئين. وفي هذا السياق، لا يُختزل الأرشيف في كونه مستودعًا للمعلومات، بل يصبح مصدرًا لدراسة تاريخ اللجوء الفلسطيني وتحوّلاته، ووسيلة لفهم التجربة الفردية ضمن سياقها الجماعي.
الرقمنة: إتاحة الوثائق وحماية الأصول
بعد نقل الأرشيف إلى عمّان، أطلقت الأونروا مشروعًا واسعًا لرقمنة الوثائق، بتمويل أساسي من لوكسمبورغ وبمشاركة موظفين من الوكالة. وتهدف العملية إلى حفظ المحتوى الوثائقي وإتاحة الوصول إليه، بما يساعد اللاجئين على تتبّع تاريخ عائلاتهم، ويدعم البحث في تاريخ التهجير واللجوء.
لكن الرقمنة لا تعني الاستغناء عن الوثائق الأصلية. فالأصل الورقي يحمل خصائص مادية قد تكون مهمة للتحقق من مصدر الوثيقة وتاريخها وطريقة إنشائها، كما يمكن أن يساعد فحصه في التمييز بين النسخ والتعديلات، بحسب طبيعة السجل وحالته. ولهذا تظل المحافظة على الأصول، إلى جانب إنشاء نسخ رقمية موثوقة، عنصرًا أساسيًا في حماية المجموعات الأرشيفية.
وتطرح عملية الرقمنة أيضًا أسئلة تتعلق بإدارة البيانات وإتاحتها، وخصوصية المعلومات الشخصية الواردة في سجلات العائلات، وآليات تمكين أصحاب العلاقة والباحثين من الوصول إليها. فحفظ الوثائق لا يكتمل بمجرد نقلها أو تصويرها، بل يحتاج إلى فهرستها وتنظيمها وضمان سلامتها واستمرارية الوصول إليها.
حماية الأرشيف وحماية الذاكرة الفلسطينية
تكشف عملية إنقاذ أرشيف الأونروا عن هشاشة الوثائق التاريخية عندما تكون المؤسسات التي تحفظها مهددة، وعن أهمية الاستعداد لمخاطر الحرب والتدمير وفقدان الوصول إلى السجلات. كما تبرز دور الأرشيفات في صون الذاكرة الجماعية، خصوصًا عندما تتصل الوثائق بتاريخ التهجير وتشتّت العائلات واستمرار اللجوء عبر الأجيال.
وتكمن أهمية هذه المجموعة في قدرتها على وصل التاريخ العام بالتفاصيل الفردية: اسم مسجّل في بطاقة، وعلاقة قرابة في سجل عائلي، وتاريخ ميلاد أو وفاة، ومعلومات يمكن مقارنتها بمصادر أخرى لفهم مسار عائلة أو مجتمع. ومن خلال جمع هذه التفاصيل وقراءتها ضمن سياقها التاريخي، يصبح الأرشيف موردًا أساسيًا لدراسة التجربة الفلسطينية وتوثيقها.
إن إنقاذ الوثائق خطوة ضرورية، لكنه ليس نهاية المهمة. فالقيمة التاريخية للأرشيف تتحقق أيضًا من خلال صيانته، وفهرسته، وإتاحته بصورة مسؤولة، ودعم البحث العلمي فيه. وفي حالة أرشيف اللاجئين الفلسطينيين، لا يتعلق الأمر بحفظ أوراق قديمة فحسب، بل بصون سجلّ يمتد عبر أجيال، ويتيح للأفراد والعائلات والباحثين فهم جوانب من تاريخ اللجوء الفلسطيني وتوثيقها.
المصدر:
Jason Burke، «The secret mission to rescue the UN’s vital Palestinian refugee archive»، The Guardian، 14 أيار/مايو 2026.