دراسة أكاديمية تتتبّع معاملات العقارات في باب الحِطّة وباب الخليل بين عامي 1875 و1917، وتكشف كيف تعكس السجلات الرسمية التحولات الإدارية والاجتماعية في القدس.
لم تكن سجلات الملكية في القدس خلال العهد العثماني مجرد دفاتر لتوثيق بيع العقارات وانتقالها بالميراث، بل شكّلت مصدرًا مهمًا لفهم تاريخ المدينة وتحوّلات أحيائها وعلاقات سكانها بالأرض. فمن خلال أسماء المالكين، وحدود العقارات، وأسباب انتقال الملكية، يمكن تتبّع جوانب من الحياة الاقتصادية والاجتماعية، ورصد أثر التغيّرات الإدارية في الممارسات المحلية.
وفي دراسة منشورة عام 2025 في مجلة دراسات فلسطين، تناول الباحثان زكريا قرشون وإليف فاطمة إربيل سجلات تسجيل الملكية في القدس العثمانية، مع التركيز على حيّي باب الحِطّة وباب الخليل خلال الفترة الممتدة بين عامي 1875 و1917. واستندت الدراسة إلى سجلات ضبط العقارات المحفوظة لدى المديرية العامة للطابو والمساحة في تركيا، بهدف فهم تطور إجراءات التسجيل واختلافها بين أحياء المدينة.
45 سجلًا لتتبّع حركة الملكية
فحصت الدراسة 45 سجلًا من سجلات ضبط العقارات في القدس، بلغ مجموع المعاملات الواردة فيها 171,094 معاملة خلال الفترة التي تغطيها السجلات، من سبعينيات القرن التاسع عشر حتى عام 1917.
وتضم هذه السجلات معاملات متنوعة، منها البيع والهبة والميراث والرهن، إلى جانب بيانات تتصل بموقع العقار وحدوده واسم الشخص الذي آلت إليه الملكية أو حق التصرف فيه.
وتوضح الدراسة أن السجلات لم تكن ثابتة في شكلها ومحتواها؛ فقد تطورت طريقة تنظيم المعلومات وتسجيلها مع تغيّر احتياجات الإدارة. ففي بعض السجلات القديمة، كانت حدود العقارات تُذكر من خلال أسماء الجيران أو معالم عامة، بينما ظهرت في سجلات لاحقة تفاصيل أكثر تحديدًا، من بينها الاتجاهات الجغرافية والبيانات التي تساعد على ربط المعاملة بسجلات سابقة.
وتكشف هذه التفاصيل عن أهمية السجل العقاري بوصفه مصدرًا تاريخيًا، لكنها تبيّن أيضًا حدود استخدامه؛ إذ لا يكفي ورود اسم حي أو شخص في قيد واحد لتحديد الموقع الدقيق للعقار أو إعادة بناء تاريخ ملكيته كاملًا من دون مقارنة القيود الأخرى.
باب الحِطّة وباب الخليل: حيّان ومساران مختلفان
اختارت الدراسة حيّي باب الحِطّة وباب الخليل للمقارنة بين أنماط تسجيل الملكية في بيئتين مختلفتين من القدس.
يقع باب الحِطّة داخل أسوار البلدة القديمة، بالقرب من المسجد الأقصى، وتغلب على سجلاته معاملات مرتبطة بالميراث وانتقال الملكية داخل العائلات. وتذكر الدراسة أن وجود الأملاك الوقفية في الحي كان من العوامل المؤثرة في حركة العقارات وطبيعة التصرف بها.
أما باب الخليل، الواقع خارج الأسوار، فقد شهد توسعًا حضريًا ونشاطًا تجاريًا واجتماعيًا متزايدًا خلال الفترة المدروسة. وانعكس ذلك على حركة العقارات، إذ سجّلت الدراسة معاملات بيع وانتقال ملكية أكثر تنوعًا، شملت مواطنين عثمانيين وأشخاصًا من جنسيات مختلفة ضمن الأطر القانونية السائدة آنذاك.
وتشير الدراسة إلى أن السجلات تضم نحو أربعة آلاف معاملة مرتبطة بباب الحِطّة، ونحو ثمانية آلاف مرتبطة بباب الخليل. غير أن هذه الأرقام لا تعني وجود أربعة آلاف وثمانية آلاف عقار مستقل؛ فقد تتكرر المعاملات على العقار نفسه نتيجة البيع أو الميراث أو غيرهما من التصرفات القانونية.
كما تبيّن المقارنة أن عدد المعاملات وحده لا يكفي لقياس حجم الملكية أو تحديد عدد العقارات، بل ينبغي التمييز بين التسجيل الأول للعقار والمعاملات اللاحقة التي طرأت عليه.
حين لا تتطابق أسماء الأحياء مع حدود العقارات
من أبرز التحديات التي رصدتها الدراسة أن بعض العقارات قد تظهر في السجلات تحت أسماء أحياء مختلفة، نتيجة اعتماد إجراءات التسجيل على المعلومات التي يقدّمها أصحاب العلاقة، في وقت لم تكن فيه الحدود بين بعض الأحياء محددة دائمًا بالدقة نفسها.
وتشير الدراسة إلى أن نحو ألف معاملة في باب الحِطّة وخمسة آلاف معاملة في باب الخليل لم تتوافر لها معلومات واضحة عن التسجيل الأول ضمن الحي المعني. وقد صعّب ذلك ربط جميع المعاملات بالعقار الأصلي، أو تحديد ما إذا كانت القيود المختلفة تشير إلى المكان نفسه.
كما اعتمدت بعض السجلات في تحديد الحدود على أسماء أشخاص يجاورون العقار، بدلًا من استخدام وصف مكاني دقيق. وتورد الدراسة مثالًا من عام 1877 لعملية بيع منزل في باب الحِطّة، حُدّدت حدوده بأسماء أشخاص مجاورين، الأمر الذي يجعل تعيين موقعه بدقة أكثر تعقيدًا.
وتوضح هذه الأمثلة أن الوثائق التاريخية تحتاج إلى قراءة متأنية تجمع بين بيانات السجل والسياق المكاني والتاريخي، ولا تكتفي باستخراج الأسماء أو الأرقام منها.
من إصلاحات الإدارة إلى تفاصيل الحياة المحلية
تضع الدراسة هذه السجلات ضمن التحولات الإدارية التي شهدتها الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر، ولا سيما الإصلاحات المتعلقة بتنظيم الأراضي وتسجيل الملكية.
وتُظهر النتائج أن أثر هذه الإصلاحات لم يقتصر على الإدارة المركزية؛ فقد انعكس أيضًا على كيفية تسجيل العقارات في القدس، وعلى المعلومات التي احتوتها السجلات، وعلى اختلاف الممارسات بين الأحياء.
وفي الوقت نفسه، لم تكن الإجراءات الرسمية منفصلة عن الواقع المحلي. فطبيعة الحي، وموقعه، وأنماط النشاط الاقتصادي، وانتقال الملكية بالميراث، كلها عوامل ساعدت في تفسير الاختلافات التي رصدها الباحثان بين باب الحِطّة وباب الخليل.
ومن هنا، تتيح سجلات الملكية قراءة تاريخ المدينة من مستوى تفصيلي، يبدأ من معاملة فردية أو عقار محدد، ويتسع لفهم العلاقة بين الإدارة والمجتمع والتحولات الحضرية.
قيمة السجلات اليوم
تؤكد هذه الدراسة أهمية حفظ السجلات العقارية وفهرستها وإتاحتها للباحثين، ليس فقط لتاريخ الملكية، بل أيضًا لدراسة أسماء الأماكن، وتطور الأحياء، والتحولات الاجتماعية والاقتصادية في القدس.
وتزداد أهمية هذه الوثائق حين تُقرأ إلى جانب مصادر أخرى، مثل سجلات المحاكم الشرعية، والخرائط التاريخية، والتعدادات السكانية، والوثائق الوقفية. فالجمع بين هذه المصادر قد يساعد على تجاوز بعض الصعوبات التي تواجه قراءة السجل الواحد، خصوصًا عندما تكون حدود العقارات أو أسماء الأحياء غير واضحة.
ومع ذلك، لا تمثل هذه السجلات وحدها صورة كاملة عن تاريخ الملكية في القدس، ولا يجوز التعامل مع كل معاملة بوصفها عقارًا مستقلًا أو دليلًا حاسمًا على كل نزاع قانوني معاصر. فقيمتها الأساسية تكمن في ما توفره من مادة موثقة لفهم الماضي، وفي إمكانية مقارنتها بمصادر أخرى للوصول إلى قراءة تاريخية أكثر دقة.
إن حفظ الأرشيف العقاري وإتاحته ليسا مجرد إجراءين تقنيين؛ فهما جزء من صون المصادر التي تساعد على توثيق تاريخ القدس، وفهم تحولات أحيائها، وحماية المادة الوثائقية التي يستند إليها الباحثون في دراسة المدينة.

المصدر:
Zekeriya Kurşun & Elif Fatma Erbil, “Tracing Property Ownership in Ottoman Jerusalem: Land Registration Processes in Bab al-Hitta and Bab al-Khalil Neighborhoods (1875–1917),” Bulletin of Palestine Studies, Special Issue, 2025, pp. 55–75.