من الوثائق التاريخية والصور والمراسلات إلى الشهادات الحية والسير الذاتية، يسعى مشروع الأرشيف الوطني للمرأة الفلسطينية إلى توثيق تجارب النساء وإسهاماتهن عبر مراحل التاريخ، وتعزيز حضورهن في الرواية الوطنية الفلسطينية.
لا تكتمل كتابة التاريخ الفلسطيني من دون توثيق تجارب النساء اللواتي شاركن في تشكيل ملامحه السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وأسهمن في بناء المجتمع والحفاظ على هويته في مختلف المراحل. وبينما تتوزع ذاكرة هؤلاء النساء على الوثائق العائلية والصور والمراسلات والشهادات الشخصية وسجلات المؤسسات، تبرز الحاجة إلى جمع هذه المواد وحفظها ضمن مرجعية أرشيفية وطنية تتيح دراستها واستعادتها.
في هذا السياق، أُعلن في 26 تشرين الأول/أكتوبر 2026 عن مشروع الأرشيف الوطني للمرأة الفلسطينية، الذي أطلقته وزارة شؤون المرأة بالشراكة مع المكتبة الوطنية الفلسطينية، بهدف توثيق إسهامات المرأة الفلسطينية ونضالاتها عبر التاريخ، وتعزيز حضورها في الرواية الوطنية، تحت شعار «ذاكرة النساء الفلسطينيات… ذاكرة وطن».
من مبادرة الأرشفة إلى مشروع وطني
تعود الخطوات الأولى للمبادرة إلى 17 شباط/فبراير 2026، حين أعلنت وزارة شؤون المرأة والمكتبة الوطنية الفلسطينية إطلاق عملية أرشفة إلكترونية لتوثيق دور المرأة الفلسطينية عبر مختلف الحقب التاريخية، وفي مجالات السياسة والاقتصاد والعمل الاجتماعي والثقافة والرياضة وغيرها.
وتضمنت المبادرة العمل على إنشاء أرشيف إلكتروني وطني يجمع الوثائق التاريخية والشهادات الحية والسير الذاتية والمواد الإعلامية والأبحاث والدراسات، بما يتيح بناء مرجعية معرفية تدعم البحث العلمي، وتوفر مادة موثقة للباحثين والمؤسسات وصنّاع السياسات.
وفي 31 أيار/مايو 2026، عقدت المكتبة الوطنية ووزارة شؤون المرأة اجتماعًا تنسيقيًا لمتابعة خطوات تأسيس الأرشيف، بمشاركة مختصين في التوثيق النسوي والتاريخ الشفوي والتاريخ والآثار. وناقش الاجتماع الورقة المفاهيمية للمشروع، وآليات تشكيل لجنة وطنية متخصصة، إلى جانب الشراكات وخطط العمل والتحضير للإعلان عن المشروع.
وجاء الإعلان عن الأرشيف في فعالية اليوم الوطني للمرأة الفلسطينية في رام الله، في 26 تشرين الأول/أكتوبر، ليشكل محطة جديدة في مسار تحويل المبادرة إلى مشروع وطني لحفظ الذاكرة النسوية الفلسطينية.
ماذا سيحفظ الأرشيف؟
لا يقتصر نطاق الأرشيف على توثيق أسماء النساء المعروفات أو الشخصيات العامة، بل يستهدف جمع مواد توثق تجارب المرأة الفلسطينية في مجالات متعددة، بما يشمل إسهاماتها السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والإعلامية والرياضية، داخل فلسطين وفي الشتات.
وتكتسب الشهادات الحية والسير الذاتية أهمية خاصة في هذا السياق؛ فهي تتيح توثيق تجارب قد لا تكون ممثلة بما يكفي في السجلات الرسمية، وتمنح الباحثين فرصة لفهم تفاصيل الحياة اليومية والتحولات الاجتماعية، وأدوار النساء في المؤسسات والمجتمع والعمل العام.
كما أن جمع الصور والمراسلات والوثائق العائلية والمواد الإعلامية يفتح المجال أمام ربط التجارب الفردية بالسياقات التاريخية الأوسع، بحيث لا تبقى الذاكرة موزعة بين مجموعات خاصة ومقتنيات شخصية يصعب الوصول إليها أو التحقق منها.
ويمتد نطاق التوثيق، وفق ما أُعلن عن المبادرة، إلى مختلف أماكن وجود الفلسطينيين، بما فيها الضفة الغربية وقطاع غزة والداخل الفلسطيني والشتات، في محاولة لبناء صورة أكثر شمولًا لتجارب النساء وتنوعها الجغرافي والاجتماعي.
الأرشفة الرقمية وإتاحة الذاكرة
يمثل التحول الرقمي أحد المكونات الأساسية للمشروع، إذ تعمل المكتبة الوطنية الفلسطينية على تطوير منصة رقمية ذكية تضم مواد الأرشيف، وتتيح للفلسطينيين في أماكن وجودهم المختلفة الوصول إلى المعلومات والوثائق. كما أُشير إلى توجه لاستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتسهيل البحث والوصول إلى المحتوى.
وتشمل التوجهات المطروحة التعاون مع الجامعات والبلديات والمؤسسات التي تمتلك أرشيفات تاريخية، بما يساهم في إثراء الأرشيف الوطني، وتوسيع قاعدة المواد التي يمكن الاستناد إليها في دراسة تاريخ المرأة الفلسطينية.
ولا تقتصر أهمية الرقمنة على حفظ نسخ إلكترونية من الوثائق، بل تشمل تنظيم المواد ووصفها وتصنيفها وتسهيل البحث فيها، مع مراعاة المعايير المهنية التي تضمن سلامة المعلومات وسياقها التاريخي، وتحفظ حقوق أصحاب الشهادات والمجموعات الخاصة.
تحديات بناء الذاكرة
يتطلب إنشاء أرشيف وطني بهذا الاتساع عملًا يتجاوز جمع المواد المتاحة؛ فهناك وثائق محفوظة لدى العائلات والمؤسسات، وأخرى قد تكون مهددة بالتلف أو الفقدان، فضلًا عن شهادات وتجارب لم تُوثق بعد، أو لم تجد طريقها إلى السجلات الرسمية.
وتبرز هنا أهمية بناء آليات واضحة لاستقبال المواد والتحقق منها، وتحديد مصادرها وتواريخها وسياقاتها، إلى جانب وضع ضوابط لحفظ الوثائق الأصلية والنسخ الرقمية، وحماية خصوصية أصحاب الشهادات والمواد التي تتضمن معلومات شخصية.
كما يتطلب المشروع تمثيلًا متوازنًا لتجارب النساء، بحيث لا يقتصر التوثيق على الشخصيات العامة أو المدن الكبرى، بل يشمل النساء في القرى والمخيمات والبلدات، وفي مختلف المهن والأجيال والبيئات الاجتماعية، فضلًا عن تجارب النساء في الشتات.
ومن شأن التعاون مع الباحثين والمؤسسات الأكاديمية والثقافية ومراكز التوثيق ومؤسسات المجتمع المدني أن يوسع قاعدة المواد المتاحة، ويعزز موثوقية الأرشيف واستمراريته.
ذاكرة النساء.. ذاكرة وطن
يشكل الأرشيف الوطني للمرأة الفلسطينية فرصة لإعادة قراءة التاريخ من خلال تجارب النساء ووثائقهن وشهاداتهن، وإبراز أدوار لم تحظ دائمًا بالتوثيق الكافي. فحفظ الذاكرة لا يتعلق باستعادة الماضي فحسب، بل بتوفير مصادر موثوقة للأجيال المقبلة، وإتاحة المجال أمام البحث في التحولات التي شهدها المجتمع الفلسطيني عبر الزمن.
وتبقى قيمة المشروع مرتبطة بقدرته على الانتقال من الإعلان والتأسيس إلى العمل الأرشيفي المستدام: جمع المواد، وتوثيقها، وحفظها، وإتاحتها للباحثين والجمهور، وفق منهجية مهنية تضمن شمولية الذاكرة ودقة محتواها.
فحين تُحفظ تجارب النساء الفلسطينيات في أرشيف وطني منظم، لا تُصان ذاكرة فئة من المجتمع فحسب، بل يُستكمل جانب أساسي من ذاكرة وطن بأكمله.
لمصادر والمراجع
- وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا)، «شؤون المرأة والمكتبة الوطنية تطلقان عملية الأرشفة الإلكترونية لتوثيق دور المرأة الفلسطينية عبر التاريخ»، 17 شباط/فبراير 2026.
- https://wafa.ps/news/2026/2/17/ 2. وزارة شؤون المرأة الفلسطينية، «المكتبة الوطنية ووزارة شؤون المرأة تواصلان خطوات تأسيس الأرشيف الوطني للمرأة الفلسطينية»، 31 أيار/مايو 2026.
- https://mowa.pna.ps/ar/Article/1755/ 3. وزارة شؤون المرأة الفلسطينية، «إطلاق مشروع الأرشيف الوطني للمرأة الفلسطينية»، 26 تشرين الأول/أكتوبر 2026. https://www.mowa.pna.ps/ar/Article/1947/