| content |
الدكتور عبد الجبار خليلية
الوثيقة المعنونة بحكومة فلسطين – شهادة تعريف تمثل نموذجاً إدارياً وإثباتياً صادراً عن السلطة الحكومية في فلسطين خلال فترة الانتداب البريطاني، وتُعدّ جزءاً من المنظومة البيروقراطية التي أُنشئت لتنظيم سجلات السكان وإثبات الشخصية قبل تعميم نظام بطاقات الهوية الرسمية بالشكل الحديث.
الوثيقة تُستعمل للتعريف بشخصٍ ما من قِبل مختار القرية، وهو عبد الرحمن ذيب مختار قرية الرينة، الذي يشهد بناءً على معرفته الشخصية بأن الصورة الشمسية المرفقة تعود فعلًا إلى المواطن محمد عبد المجيد، أحد أبناء القرية ومن مواليدها والمقيم فيها. هذه الصيغة تُعبّر عن الثقة الاجتماعية المتبادلة بين المختار وأبناء القرية، وتعكس الدور المركزي الذي كان يؤديه المختار بوصفه ممثلاً محلياً معتمداً لدى السلطات الحكومية.
من الناحية الإدارية، يُلاحظ أنّ الوثيقة تتضمن شروطًا دقيقة تتعلق بالشكل الفني للصورة الشمسية (الفوتوغرافية)، إذ يُشترط أن تكون حديثة العهد، يظهر فيها الوجه مكشوفاً والرأس حاسراً مع القسم الأعلى من الجسد، وأن تتطابق مع الصورة المثبتة على الشهادة نفسها. هذه التعليمات تعكس تطور أدوات التوثيق في حكومة فلسطين خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، حيث بدأت السلطات تتجه نحو استخدام الوسائل البصرية الحديثة في إثبات الهوية، في إطار ما يمكن وصفه بعملية تحديث إداري متأثر بالنظم البريطانية.
أما قرية الرينة، فهي بلدة تاريخية تقع إلى الجنوب الشرقي من مدينة الناصرة في الجليل، وتُعدّ من القرى الفلسطينية القديمة التي حافظت على طابعها القروي رغم نموها العمراني الحديث. كانت في الماضي مركزاً صغيراً يعتمد سكانه على الزراعة وتربية المواشي، أما اليوم فقد تحوّلت إلى بلدة ناشطة تشهد توسعاً عمرانياً وتنوعاً سكانياً، وتُعتبر جزءاً من النسيج الاجتماعي والاقتصادي لمنطقة الناصرة. بناءً على ذلك، يمكن القول إن هذه الوثيقة لا تمثل مجرد إجراء إداري، بل تكشف عن شبكة العلاقات الاجتماعية والإدارية في فلسطين تحت الانتداب البريطاني، حيث التقت سلطة الدولة الحديثة (المتمثلة بحكومة فلسطين) مع البنية التقليدية (المختار والعلاقات الشخصية) في عملية تنظيم هوية الفرد الفلسطيني وتثبيت انتمائه الجغرافي والاجتماعي.
|