النادي الأدبي الرياضي في البصة (1930م):
قراءة تاريخية تحليلية خليل إبراهيم طه العلي
تُعدّ وثيقة قانون ونظام النادي الأدبي الرياضي في البصة (قضاء عكّا) لعام 1930م من أهم الوثائق التنظيمية التي تعكس ملامح الحياة الثقافية والاجتماعية والرياضية في القرى الفلسطينية خلال فترة الانتداب البريطاني. فهي تشير إلى أن النادي لم يكن نشاطًا عفويًا، بل مؤسسة منظمة تتمتع بنظام داخلي وقانون واضح يشمل الأهداف، الهيكل الإداري، شروط العضوية، وقواعد العمل والانضباط، مما يعكس وعي المجتمع المحلي بأهمية التنظيم المؤسسي في تلك الفترة التي كانت الأندية الفلسطينية فيها في طريق الانتشار والتطوير.
تأسس النادي في مرحلة حساسة من تاريخ فلسطين، حيث كانت الحركة الوطنية الفلسطينية في طور التشكل، وبدأت مقاطعة الأندية الصهيونية بعد سيطرة اليهود على الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم عام 1928، بالإضافة إلى تأسيس الاتحاد العربي الفلسطيني عام 1931 الذي جمع كافة الأندية الوطنية، كما انتشرت النوادي الأدبية والرياضية كفضاءات للوعي والتعليم والتنظيم المجتمعي، وانخرطت الأندية الرياضية والأدبية والكشفية في النضال من أجل الحفاظ على الهوية وحماية الأرض، ويمثل صدور قانون للنادي عام 1930 مؤشرًا على ارتفاع مستوى الوعي المؤسسي والتنظيمي لدى المجتمع المحلي، وتأثر الحركة الاجتماعية الفلسطينية بنماذج الجمعيات والأندية الحديثة في المدن.
من حيث المضمون، تعكس تسمية النادي بـ"الأدبي–الرياضي" فهمًا شاملًا لبناء الإنسان الفلسطيني فكريًا وجسديًا في آن واحد، حيث يشجع البعد الأدبي على الثقافة والقراءة والمحاضرات، فيما يعزز البعد الرياضي الانضباط والعمل الجماعي، كما يشير وجود قانون مكتوب إلى رغبة واضحة في الاستمرارية والتنظيم، وتحديد الصلاحيات والمسؤوليات، وترسيخ مفهوم العمل الجماعي المؤسسي.
أسماء الأعضاء المدرجة في الوثيقة تعكس انخراط شخصيات اجتماعية فاعلة من أبناء القرية، تمثل شرائح متعلمة وملتزمة بالشأن العام، وتشكل نواة قيادية محلية تؤمن بدور التنظيم الأهلي في تطوير المجتمع، ويظهر أن النادي لم يكن حكرًا على فئة محددة، بل أتاح إطارًا جامعًا لأبناء البصة للعمل الثقافي والرياضي معًا. من الناحية الوطنية والاجتماعية، تمثل الوثيقة شكلًا مبكرًا من أشكال المقاومة الثقافية والرياضية الناعمة، وتعبيرًا عن وعي فلسطيني بأهمية بناء الذات في مواجهة التحديات السياسية، كما تثبت أن الرياضة والثقافة كانتا جزءًا من مشروع وطني غير معلن آنذاك، ورغم أن الوثيقة لا تُفصّل طبيعة الأنشطة بشكل دقيق ولا توضح مدى استمرارية النادي لاحقًا، فإن قيمتها التاريخية تكمن في توثيق الوجود الفلسطيني المنظم قبل النكبة ودحض الروايات التي تنكر تطور المجتمع الفلسطيني ومؤسساته.
ويُفسّر غياب ذكر النادي الأدبي الرياضي في البصة في معظم المراجع التاريخية بتركيز الدراسات التأسيسية على الأندية الكبرى في المدن المركزية مثل القدس ويافا وحيفا وعكا، بينما ظلت الأندية القروية والمحلية خارج دائرة التوثيق الموسع، ومع ذلك، تُعدّ وثيقة النادي في البصة ذات قيمة مضاعفة لأنها تسد فجوة تاريخية في سردية الرياضة الفلسطينية، وتكشف عن حراك رياضي وثقافي منظم سبق النكبة بسنوات طويلة، وساهم في بناء الوعي الجمعي والهوية الوطنية.
ويُضاف إلى ذلك أن وجود ملعب البصة عام 1935م، كما ورد في صحيفة "الدفاع" بتاريخ 9 حزيران 1935، يُظهر أن النشاط الرياضي لم يقتصر على الإطار التنظيمي بل وصل إلى الممارسة العملية، حيث مكّن الملعب النادي من إقامة المهرجانات والاستعراضات الرياضية، وتعزيز حضوره الاجتماعي، وترسيخ الرياضة كأداة لتنظيم المجتمع وبناء الهوية في البصة قبل النكبة. بناءً على ذلك، يمكن القول إن وثيقة قانون ونظام النادي الأدبي الرياضي في البصة (1930م) تشكّل شاهدًا حيًّا على نضج المجتمع الفلسطيني مؤسسيًا قبل النكبة، ودور الأندية في بناء الوعي والهوية، وارتباط الرياضة والثقافة بالمشروع الوطني الفلسطيني منذ وقت مبكر.